اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التركية الليبية

من الدراسة الأخيرة عن العلاقات المصرية التركية – بكر اتاجان Bekir Atacan

اعرف صديقك

في سياق هذه التطورات يجب الإشارة لعدد من المعطيات :
(أ) تضيف اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التركية مع حكومة الوفاق الليبية لحدود مصر البحرية الاقتصادية منطقة تقدر مساحتها بـ 35 ألف كيلومتر مربع ، بخلاف ما يفترضه التصور اليوناني-القبرصي . الذي ينتزع تلك المنطقة لصالح اليونان . وتُمثل تلك المنطقة في الخريطة رقم (1) باللون البرتقالي . ولقد توصلت مصر في فبراير  2020 ، لاتفاقات مبدئية مع كبرى شركات النفط والغاز العالمية ، للتنقيب والحفر في المياه العميقة أمام السواحل الغربية لمصر والملاصقة للمنطقة البرتقالية ، وهو ما يمكن أن ينتج عنها اكتشافات تمتد إلى المنطقة البرتقالية ، أو ربما يقع أغلبها في هذه المنطقة ، حينها لن تستطيع مصر أو الشركات العالمية الاستثمار والاستفادة منها ؛ لأنها ستكون منطقة يونانية وليست مصرية ، إذا ما تم التسليم بالرؤية اليونانية في الترسيم .

(ب) إذا دخل خط “ميد إيست” حيز التنفيذ ، سيعني خسارة مصر لدورها المستقبلي كمنصة إقليمية لتصدير الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، وبالتالي ليس من مصلحة مصر إنشاء وإنجاز هذا الخط . و أي ترسيم حدود بحري يقطع الطريق على الخط ، و يعيق إنشاء هذا المشروع و يتماشى بشكل مباشر مع المصلحة المصرية ، ويعضد آمالها في أن تصبح المنصة الرئيسية في شرق المتوسط لنقل وتصدير الغاز المسال إلى أوروبا ، وهو ما يكفله أيضا اتفاق الترسيم التركي مع حكومة الوفاق .

(ج) هذه التطورات تفسر ما قاله وزير الخارجية المصري سامح شكري في 8 ديسمبر 2019 ، بأن الاتفاقية التركية – الليبية لا تمس مصالح مصر . وفي 29 من الشهر نفسه ، قال الناطق باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن ، إن لديه أن القاهرة سعيدة بالاتفاقية .

كما ضغط المسؤولون في وزارة الخارجية المصرية ونظام المعلومات الجغرافية على الرئاسة من أجل قبول الاتفاقية التركية الليبية ، فالاتفاق لا يمهد الأرضية لمصر فقط  لترسيم حدودها البحرية مع تركيا ، بشكل يضمن لها مساحات اقتصادية أكبر في مياه المتوسط ، بل يمثل أيضا ورقة ضغط يمكن أن تستخدمها مصر للتوصل مع اليونان لاتفاق لترسيم الحدود بشكل يحقق المصلحة المصرية .

(د) هذا ما يرجح ما أشارت إليه بعض التقارير، من أن الجانب المصري في مفاوضاته الأخيرة مع اليونان ، إبان زيارة رئيس وزرائها لمصر في 18 يونيو  2020 ، تسلّح بشكل غير مباشر بالاتفاق التركي – الليبي البحري ، لمطالبة اليونان بالحصول على ٦٠% من مساحة المنطقة الاقتصادية الخالصة المشتركة ، في مقابل حصول أثينا على ٤٠% منها . وهو ما لم تقبل به اليونان ، ليس فط لأنه يعني خسارة اليونان لمساحات اقتصادية حيوية في المتوسط ، بل أيضا لأن هذا التنازل يعني عدم احتكامها لقانون البحار، الذي يعطي مساحات أكثر لليونان في مواجهة مصر من ناحية ، ويمكنها من السيادة على مساحات اقتصادية خالصة أمام الجزر المتنازع عليها مع تركيا . أي أنه بشكل مباشر سوف يعد خسارة اقتصادية وحيوية لليونان في مواجهة مصر، في حين سيعد بشكل غير مباشر هزيمة قانونية ودبلوماسية لليونان في مواجهة تركيا .

وبالتالي فإن ملف شرق المتوسط في المرحلة الحالية ، مرحلة التجاذب حول ترسيم الحدود البحرية والمناطق الاقتصادية الخالصة ، يعد أحد أهم محفزات عودة التعاون والتفاهمات للعلاقات المصرية التركية . ففي حين يضمن تفاهمهما بالنسبة لتركيا كسر لحالة العزلة والطوق المفروض عليها في منطقة شرق المتوسط ، فضلا عن جذب طرف إقليمي كبير كمصر في معركتها القانونية في مياه المتوسط في مواجهة اليونان وقبرص . فإنه يضمن مساحات اقتصادية لمصر كما لتركيا ، تفوق تلك التي تؤمنها مصر في حال رسمت حدودها وفق التصور اليوناني .

ملاحظة : الاستناد لتوقيع مصر على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وبالتالي إلزام مصر بالترسيم مع اليونان وفقا لتلك الاتفاقية ، مردود عليه من قبل الخبراء ، والذين يذهبون إلى أن ترسيم الحدود البحرية لا يستند فقط على الاحتكام لهذا القانون ، بل إن الأولوية في هذا الصدد للتفاهمات السياسية بين الدول .

Comments are closed.